عقلية ليبية

العوامل التي أدت لضعف دور المرأة الليبية في سوق العمل

 

الاقتصاد الليبي اقتصاد ريعي غير خلاق، يعاني من ضعف كبير في الكفاءة الإنتاجية في معظم الاختصاصات المهمة والحساسة، مثل قطاع الصحة والتعليم والامن السيبراني.

بسبب هذا الاقتصاد القائم على بيع النفط والغاز فقط، أوصل دولة ليبيا الى نقطة الانفجار، الذي سوف يعقبه الانهيار الكبير للدولة.

انعدام الكوادر المتخصصة ذات الكفاءة العالية من خريجي المؤسسات التعليمية المختلفة التي تديرها الدولة أدى الى عجز كبير في كل القطاعات الأساسية و الخدمية، مما فاقم تدهور و تخلف المجتمع الليبي عن باقي نظرائه في الدول العربية المجاورة مثل تونس و مصر.

يأتي دور المرأة الليبية في هذا الاقتصاد المشوه في اسفل السافلين، لا تكاد تشاهد المرأة أصلا في سوق العمل الليبي، رغم الاقبال الكبير  على التعليم العالي و التخصصي، الا ان التعليم العالي الليبي يعاني بشكل كبير ومنذ تأسيسه من فجوة كبيرة جدا بينه وبين سوق العمل، كما انه لا يقدم أي خبرات تذكر للمتعلمين المتخرجين منه. 

من الغريب ان نسبة المتعلمين الإناث في ليبيا أعلا من نسبة الذكور خصوصا اللواتي يملكن شهادة جامعية عليا، الا ان فرص الإناث في العمل الميداني التقني المتخصص، ضعيف جدا


أهم العوامل التي أدت الى غياب دور المرأة الليبية في بناء اقتصاد وطنيها:

أولا: النظرة المتخلفة لدور المرأة المنتجة

القبيلة هي أساس منشئ المجتمع الليبي، الذي يتكون أساسا من مجموعات كبيرة ومتعددة من القبائل العربية والامازغية المنتشر في مختلف ربوع الوطن الحبيب بشكل عشوائي وغير منظم، لأسباب اجتماعية قديمة.

نظرة القبيلة للمرأة كانت دائما ناقصة يشوبها الاستحقار و الاستعباد، ترى القبيلة المرأة على انها حيوان ناقص لا يشبه الرجل بل هي اقلا منه بكثير.

المرأة في نظر القبيلة خادم و عبد، لا يحق لها شيء، مثل التعلم أو النقاش او حتى الاعتراض على مصيرها الذي حددته القبيلة مسبقا قبل حتى ولادتها، و ذلك ببقائها عبد للرجل حتى وفاتها.

فكرة خروج المرأة من البيت تعتبر كابوس مرعب للقبيلة و انهيار كبير لمملكة الاستعباد التي أساسها القبليون حماة الشرف و العفة.

في القرن 21 ميلادي، خرجت المرأة الليبية من البيت بسبب تغير مصالح القبيلة، الآن أصبحت القبيلة ترى خروج المرأة المقيد تحت تدابير معينة توصف بالحدود، امر يخدم مصالحها، مثل الحصول على المكانة الاجتماعية عبر تعليم بناتهم حيث أصبحت مثل الموضة، ومن يعارض تلك الموضة او يقاومها يصف من بالجاهل المتخلف وهذه وصمت عار يخاف منها القبلي الذي يرى بالمناظر اكثر ما يرى بعينه.

هناك مصلحة أخرى للقبيلة غير المكانة الاجتماعية، تعتمد على كمية الدخل المادي الذي تضيفه المرأة الى بيتها.
كما ان فكرة الانجاب عند القبليين الجهويين تعتمد في أساسها على كثرة عدد الأطفال الذين يسعون من خلالهم لكسب منافع مستقبلية كبير، مثل المال و النسب و الخدمة المجانية عند الكِبر، فينجبون أطفال كثر بغية استغلالهم فيما بعد عند كبرهم و ضعفهم بشكل مجاني تماما.


المرأة لخدمة الرجل ثم المرأة للإنجاب فقط، ثم المرأة للتربية، ثم المرأة لخدمة الرجل وانجاب الأطفال و التربية.
أخيرا تحولت المرأة لخدمة الرجل وللأنجاب و التربية و العمل، لكسب المال واضافة دخل مادي للبيت الخاص بالقبيلة التي تنتمي اليها تلك المرأة.
كل هذا يعتمد على فكرة استعباد المرأة حتى اخر يوم في حياتها وضمان بقائها تحت سطوت القبيلة الام بعدة اعذار منها الشرف و العفة.
حتى أصبحت المرأة ترى نفسها كذلك، ولا ترى سوى تلك النظرة الاستنقاصية و الاستعبادية لها منذ نعومة اظافيرها، تزداد عليها المسؤوليات مع تطور الحياة الظاهري و يزداد بذلك العبء الكبير المحمل على جثتها مدى حياتها.

هي حينما خرجت لتعلم خرجت بأمر القبيلة، و حينما تحصلت على عمل فكان ذلك أيضا بأمر من القبيلة وبل من تدبيرها في غالب الامر، و لم تخرج بسبب إيمان القبيلة بحق المرأة في الاختيار او العيش، بل كما قلت سابقا لان مصالح القبيلة قد تغيرت فحسب.

ثانيا: ذكورية سوق العمل الليبي

كما سردت سابقا حول ان المجتمع القبلي الليبي على انه يرى في خروج المرأة من بيتها امرا مرعبا و أشبه بالكابوس، أدى ذلك لمحدودية وجودها على ارض الواقع في ميادين العمل المتعددة، و بالنتيجة العكسية اصبح عالم الإنتاج والشغل خاص بالرجال فقط، و استمر ذلك لعقود طويلة، حتى عند خروج المرأة من بيتها بأمر من القبيلة و تحت حكمها، لم يسمح لها بالعمل الإنتاجي و لا العمل التقني المتخصص، بل فرضت عليها اعمال من قبيل التعليم كمدرسة و طبيبة في مجلات محدودة جدا.

اذا الرجل تغول كثيرا في كل مجالات الحياة وخصوصا التي تكون خارج البيت، و التي تعتمد على المهارة العقلية والجسدية، لكنه بقية بعيدا عن مجالات أخرى بحجج انها لا تليق بيه، مثل كونه سكرتير او موظف في الاستعلامات او حتى ممرض دخل المستشفيات و بعض الوظائف الإدارية الأخرى المحدودة جدا.

لذلك اغلب فرص العمل الموجودة الان في ليبيا تكون في تلك المجلات التي يبتعد عنها الرجال طواعية بسبب شعورهم انها وظائف لا تليق بهم.
الرجال يمنعون النسوة من اقتحام مجالات ذات طابع مهاري و تخصصي، و يرغبوا في وضع حد لقدرتهن في مجال العمل بشكل كبير، بحيث لا يكون لهن اليد العليا عليهم مهما كانت نسبة كفاءتهن، يجب على المرأة ان تبقى اقل من الرجال دائما مهما كلف ذلك من ثمن.

صمم سوق العمل الليبي للرجال فقط، لكن هناك بعض الوظائف المحدودة جدا يرى الرجال انها لا تليق بهم، تترك تلك للنساء، مع ضمان بقاء المرأة تحت السيطرة و التحكم.
هكذا تتم العملية دائما، للمرأة وظائف ضعيفة غير إنتاجية و لا تقنية تخصصية، مع راتب ضعيف لا يجعلها مستقلة ماديا ابدا، بل يضمن بقائها رهينة للابد.
هنا الحديث عن سوق العمل في القطاعات الخاصة التي لا تديرها الدولة، بل يديرها اشخاص معينين في الغالب لا يملكون خبرة لكن يملكون المال، والمفارقة يوظفون من يملك الخبرة فقط دون غيره، رغم انعدامها عندهم انهم قوم منافقون.

ثالثا: التحرش الجنسي يحد من دور المرأة في بناء الاقتصاد الليبي

تخرج فاطمة للعمل تجد فرصة في ان تكون موظفة سكرتارية، و المرتب ضعيف جدا، بسبب النظرة الاستنقاصية لمجهود النساء، وهناك من يفسر ذلك على ان الرجال لا يريدون إعطاء النساء اللواتي يعملن لديهم مرتبات جيدة جدا، لكي لا يشجع اخريات على الخروج من البيت للعمل، و أيضا لألى يجعلهن يطورنا دخلهن المادي و يصبحنا بدلا من عملات لديه الى أصحاب مشاريع و تعود أيضا لتفسير تلك النظرة الاستنقاصية للمرأة.

تحصلت فاطمة على وظيفة أخيرا و أصبحت تعمل كسكرتيرة في مكتب تدريب بمرتب قدره 500 دينار ليبي فقط، لا يكفيها حتى نصف شهر.
لكن هل انتهت مشاكلها؟
طبعا لا.


صاحب العمل اصبح فجأ  شخصا لينا مرهف المشاعر و مبتسما دائما و كثير الكلام فيما لا يخص العمل، اصبح يقترب ثم يقترب، ثم بدأ في اللمس، أصبحت فاطمة منزعجة لا يعجبها هذا لكنها تستمر في العمل، تحاول ان تبتعد عنه لكنه يستمر في التحرش بها، و تستمر معهما تلك الدائرة، لتصبح فاطمة امام خيارين البطالة والجلوس في المنزل، لأنها لم تحصل على تلك الوظيفة بسهولة، او ان تقبل بان يتم التحرش بيها بشكل مستمر، و مستفز، و قذر.

سوق العمل الليبي مليء بهؤلاء المتحرشين بالنساء، الذين يمنعون نسائهم عن العمل و الخروج من البيت، بسبب التحرش الذي هم يقمون بيه في نسوة الاخرين بئس قوم هم و بئس ما يفعلوا، لعنهم الله جميعا.

الى من تشتكي فاطمة، سوف تترك العمل و ترجع للبيت و تبقى فيه حتى اشعارا اخر.
هكذا تستمر الدائرة لا عمل، و اذا توفر كان غير لائق ماديا و لا أخلاقيا و لا إنسانيا.

اعتقد ان الموضوع ممنهج و مقصود لأنه مستمر و يمارس في جميع المجالات تقريبا، و مبني على احتقار النساء العاملات واذلالهن و التشفي فيهن بلا اية رحمة.
النتيجة حتمية، ابتعاد المرأة الليبية عن المنافسة والتطور، وعليها البقاء عند جانب الطريق حتى اشعارا اخر.
ثم يقال لها لماذا لا تساهمين في بناء الاقتصاد الليبي المشوه!!

رابعا: الخبرة المفقودة أصلا

عندما تتقدم النسوة لأي عمل يطلب منها الخبرة!! التي تنعدم أصلا عند صاحب العمل.
يركزون على المظاهر الكاذبة والخداع البصري، عبر تركيزهم لأمور غير موجودة أصلا عند اغلب النساء، بسبب القمع والتحكم الخانق للمجتمع القبلي.

أي خبرة تطلبون أيها الحمقى، كيف لمن تخرج حديثا ان يملك خبرة؟، و حتى لمن عمل سابقا في مجالا ما، كيف عليه كسب خبرة؟! هي أصلا لم توجد بالأساس في العمل، اذ هو عمل اعمال ذات طابع محدود تتطلب صبر، لتحمل الاذلال فقط.

جميع الاعمال التي تتوفر للنساء اغلبها لا تتطلب خبرة مسبقة، لكنهم يضعون ذلك الشرط بسبب جهل مقطع بحقيقة الواقع الراهن في سوق العمل.

بالمختصر: تعاني جميع النساء في ليبيا من التهميش المقصود و المتعمد بحجج عفى عنها الزمن، و العملية مستمر الى اجل غير معلوم.
مشاركة المقال: Facebook X