محمد حسن

 

مقدمة:

يُعد المغني الليبي "محمد حسن" أحد أبرز قامات الغناء في ليبيا، وقد ترك بصمة واضحة كملحن ومطرب استلهم أعماله من التراث الليبي الأصيل.
عُرف محمد حسن بكونه "فنان السلطة" أو "مطرب النظام"، حيث كان مقرباً جداً من معمر القذافي.
قدم عشرات الأغاني التي تمجد ثورة الفاتح والقذافي، ومن أشهرها أغنية "يا قائدنا" و "من طبرق طير يا حمام" (التي غناها في بدايات النظام).
 كانت ملاحمه مثل "النجع" و"رحلة نغم" تُعرض غالباً في المناسبات الوطنية الرسمية للنظام، وكانت تُستخدم لتعزيز الهوية القومية والوحدوية التي كان ينادي بها القذافي.


من هو محمد حسن؟

ولد عام 1944 ، وفي بعض المصادر أخرى 1946 في مدينة الخمس بليبيا.
انطلقت مسيرته الفعلية في الستينيات بانضمامه للمجموعة الصوتية في فرقة الإذاعة تحت إشراف الفنان "حسن عريبي"، حيث تدرب على غناء المالوف والموشحات.
ذاع صيته مطلع السبعينيات، وكانت أغنية "من طبرق طير يا حمام" (1970) من المحطات الفارقة في بداياته.
تميز باللون البدوي، خاصة تراث وسط ليبيا والبادية والواحات، وكان أول من أدخل آلة "الربابة" كآلة رئيسية في الأغنية الليبية في عمله "عاتب عليك وخاطري واجعني".
توفي في 17 ديسمبر 2017 في تونس بعد صراع مع المرض، ودُفن في مسقط رأسه بمدينة الخمس.


أشهر أعماله الغنائية

اشتهر بتقديم ملاحم فنية متكاملة جسدت التراث الليبي، منها:
  • رحلة نغم: ملحمة فنية شهيرة طافت بربوع ليبيا.
  • النجع: عمل تراثي ضخم استعرض حياة البادية والتقاليد الليبية.
  • الواحة: ملحمة أخرى ركزت على تراث الواحات.
  • أشهر الأغاني: "يسلم عليك العقل"، "ليش بطى مرسالك"، "دزيتلك مرسول"، "يا ريح هدي"، و"طق العود".


الدعم اللامتناهي من السلطة

لقد حظي محمد حسن بإمكانيات مادية وتقنية لم تتوفر لأي فنان ليبي آخر في ذلك الوقت. 
هذا الدعم لم يكن مجرد إعجاب بفنه، بل كان استثماراً سياسياً.
كانت الدولة تمول إنتاج ملاحمه الكبرى (مثل النجع ورحلة نغم) بميزانيات ضخمة، تشمل فرقاً استعراضية، تصويراً سينمائياً، وسفراً للخارج.
كانت الإذاعة والتلفزيون الرسمي يخصصان ساعات طوال لبث أعماله، مما جعله "الوجه الوحيد" للفن الليبي في الداخل والخارج، وهو ما يصف بـ "التغول" على العرش.



محمد حسن من زاوية نقدية

في الثمانينيات والتسعينيات، ظهر جيل من الفنانين حاولوا تقديم موسيقى ليبية حديثة (مثل ناصر المزداوي وأحمد فكرون)، لكنهم واجهوا تهميشاً إعلامياً وتضييقاً، لأن ذوق السلطة كان يميل للنمط الذي يمثله محمد حسن.
عندما يكون فنان واحد هو "سفير الدولة" والمقرب من القائد، يصبح من الصعب على أي فنان آخر البروز ما لم يدخل في عباءة هذا النظام أو يقدم نفس التوجه.
لقب "مطرب البلاط" هذا الوصف أطلقه عليه معارضوه، حيث اعتبروا أن نجاحه مرتبط ببقاء النظام
ففي حين كان فنانون آخرون يعانون من الرقابة أو المنع، كان هو يتنقل بحرية ويقيم الحفلات في عواصم العالم برعاية رسمية، مما خلق فجوة كبيرة بينه وبين زملائه في المهنة.
يرى النقاد أن محمد حسن كان يمتلك ذكاءً فنياً؛ فقد استخدم التراث الشعبي (الذي يحبه الليبيون بطبيعتهم) كوعاء لرسائل النظام السياسية. هذا التزاوج بين "الأصالة الفنية" و"الولاء السياسي" جعل من الصعب فصل فنه عن سلطته، وجعل منه "الملك" الذي لا يُنافس في عهد القذافي.
انتقد البعض الميزانيات الضخمة التي صُرفت على حفلاته الخارجية (مثل حفل لندن 2002)، معتبرين أنها كانت محاولات فاشلة "لتلميع صورة النظام" دولياً تحت غطاء الفن، ولم تحقق نجاحاً حقيقياً لدى الجمهور غير العربي.
انتقد البعض إصراره على تقديم "البداوة" كقالب وحيد للهوية الليبية، مما أعطى صورة نمطية للعالم بأن ليبيا مجرد "خيمة وناقة"، متجاهلاً الحراك المدني والحضري في المدن الكبرى مثل طرابلس وبنغازي.
يرى نقاد أن محمد حسن لم "يخلق" التراث بل "استغله" وسرقه أحياناً من شعراء ومؤدين مغمورين في النجوع والبوادي، ونسبه لنفسه أو وضعه في إطار يخدم "النظرية العالمية الثالثة" للقذافي.


مقال "عصر الموسيقى الجديد في ليبيا" 

في هذا المقال المنشور في منصة (Jadaliyya)، يشن الكاتب والشاعر الليبي "خالد مطاوع" نقداً لاذعاً لمحمد حسن:
يرى الكاتب أن محمد حسن لم يصعد بتنافسية شريفة، بل تم "اختياره" من قبل القذافي ليكون الصوت الوحيد المسموح به.
يجادل مطاوع بأن محمد حسن كان "مفلساً فنياً وفكرياً" لعقود، حيث كرر ألحانه ونمطية أغانيه البدوية دون تجديد، مستغلاً حماية السلطة له من النقد أو المنافسة.
يتهمه المقال بأنه كان الأداة التي استُخدمت لتهميش وإقصاء التيارات الموسيقية الحداثية (مثل الروك والجاز الليبي الذي بدأ يظهر في السبعينيات)، مما أدى إلى "تصحر" المشهد الفني الليبي.
أشار المقال إلى تعمد محمد حسن محاكاة مظهر القذافي (الخيمة، الزي الشعبي، طريقة الجلوس) لدرجة تجعل المشاهد يربط بين الفنان والزعيم ذهنياً، وهو نوع من "الاستلاب الثقافي" لصالح السياسة.
يقول مطاوع إن النظام الليبي لم يكتفِ بالرقابة، بل قام بعملية "هندسة ثقافية". 
محمد حسن لم يكن مجرد مغنٍ ناجح، بل كان "المقاول الثقافي الحصري" للدولة. 
السلطة منحت له الملايين لإنتاج ملاحم مثل "النجع"، بينما كان يُمنع الفنانون الآخرون من دخول الإذاعة إذا لم يمشوا على خطاه.
ينتقد مطاوع بشدة تركيز محمد حسن على "البداوة". 
يرى الكاتب أن القذافي استخدم محمد حسن لفرض صورة "الليبي البدوي البسيط" الذي يطيع القائد، وطمس صورة "الليبي المدني المتعلم" في المدن. 
الموسيقى هنا لم تكن فناً للترفيه، بل كانت "موسيقى أيديولوجية" تهدف لتجميد وعي الشعب عند مرحلة ما قبل الدولة الحديثة.
يذكر مطاوع أن ليبيا في السبعينيات كانت تعج بفرق "الروك" و"الفانك" والموسيقى الحديثة (مثل ناصر المزداوي)، لكن النظام (عبر أدواته الفنية مثل محمد حسن) حارب هذا التنوع. 
والنتيجة كانت أن الليبيين لم يسمعوا في التلفاز سوى ألحان محمد حسن، مما خلق جيلاً معزولاً موسيقياً عن العالم.
في نهاية المقال، يربط مطاوع بين سقوط النظام وسقوط هذا النوع من الفن
ويرى أن خروج الشباب في 2011 بأغاني "الراب" و"الهيب هوب" كان الرد الحقيقي والنهائي على عقود من "تغول" محمد حسن وأسلوبه الذي فرضته السلطة.
مطاوع لا ينكر أن محمد حسن "موسيقي موهوب" في الأساس، لكن جريمته في نظر الكاتب هي "قبول المقايضة"، الحصول على العرش الفني المطلق مقابل بيع الموهبة لخدمة الديكتاتورية.







تعليقات

المزيد من المشاركات

أهم ما يجب ان تعرفه عن عداد الدفع المسبق الكهرباء دولة ليبيا

مطار طرابلس الدولي دولة ليبيا

مشروع منحة الزوجة والأبناء

"سياسة دعم المحروقات" تحليل تقرير ديوان المحاسبة الليبي سنة 2022م