الاعتمادات المستندية
ما هي الاعتمادات المستندية؟
هو تعهد مكتوب يصدر عن بنك (البنك المُصدِر) بناءً على طلب المشتري (المُستورد) لصالح البائع (المُصدِّر).
يتعهد البنك بموجبه بدفع مبلغ معين للبائع، بشرط أن يقدم البائع مستندات الشحن المتفق عليها والتي تثبت أن البضاعة قد شُحنت بالفعل وفقًا للشروط المحددة في الاتفاقية.
كيف تعمل؟!
تُستخدم الاعتمادات المستندية لتقليل المخاطر على كلا الطرفين:
المشتري (المستورد) يضمن:
أن البنك لن يدفع للبائع إلا بعد التأكد من أن البضاعة شُحنت وأن المستندات المطلوبة (مثل بوليصة الشحن، وفاتورة التجارة، وشهادة المنشأ) مطابقة تمامًا للشروط.
البائع (المصدر) يضمن:
أن الدفع سيتم من قبل بنك موثوق، وليس المشتري مباشرة، بمجرد تقديم مستندات الشحن الصحيحة، حتى لو تراجع المشتري عن الصفقة.
العلاقة بين الطلب الاستهلاكي والاعتمادات المستندية
تُعد الاعتمادات المستندية هي الأداة الرئيسية للمصرف المركزي لضخ العملة الصعبة لتغطية الطلب الاستهلاكي الضخم:
آلية التحكم:
بدلاً من بيع العملة مباشرة في السوق، يطلب المصرف المركزي من التجار والمستوردين استخدام الاعتمادات المستندية (LC) لضمان أن العملة ستذهب لشراء سلع محددة (نظريًا).
تسهيل الاستيراد:
يحتاج التاجر الذي يرغب في استيراد مواد غذائية أو أجهزة إلكترونية إلى فتح اعتماد مستندي في مصرف تجاري ليضمن للمُصدِّر الأجنبي الحصول على الدفع. يتم تغطية هذا الاعتماد في النهاية من احتياطيات المصرف المركزي الليبي بالدولار الرسمي.
الشفافية المشروطة:
الهدف هو إضفاء نوع من الشفافية على استخدام النقد الأجنبي، لكن حجم الطلبات الهائل على الاعتمادات يعكس حجم الاستهلاك والاعتماد الكلي على العملة الأجنبية.
المخاطر الاقتصادية لهذه العلاقة
هذا الاعتماد المفرط على ضخ العملة عبر الاعتمادات المستندية يولد مشاكل اقتصادية عميقة:
استنزاف احتياطي النقد الأجنبي:
تلبية الطلب الهائل يعني ضخ مبالغ ضخمة من احتياطي النقد الأجنبي للدولة (المتأتي أساساً من مبيعات النفط) لدعم الاستهلاك بدلاً من استخدامه في التنمية أو البنية التحتية.
التضخم وغسيل الأموال:
يُتهم جزء من هذه الاعتمادات بأنها وهمية أو مُبالغ فيها لغرض الحصول على الدولار الرخيص وبيعه في السوق الموازي، مما يزيد من معدلات التضخم ويُفسد بيئة الأعمال.
تبعية الاقتصاد:
تُبقي هذه الآلية الاقتصاد الليبي تابعًا بشكل كامل لأسعار النفط العالمية، وتمنع تطور قطاع إنتاجي محلي يستطيع تلبية جزء من هذا الإنفاق الاستهلاكي.
كيف يضمن مصرف ليبيا المركزي حقه بعد الموافقة على طلب الاعتماد المستندي؟
أولا: التغطية المسبقة أو الضمانات (قبل فتح الاعتماد)
هذه هي الخطوة الأولى والأهم لتقليل مخاطر البنك:
التغطية النقدية (Cash Cover):
في أغلب الحالات، يطلب البنك من المشتري (طالب فتح الاعتماد) تغطية جزء من قيمة الاعتماد نقدًا في حسابه، أو تغطيته بالكامل.
هذا المبلغ المودع يُجمد كضمان لحين تنفيذ عملية الدفع.
الضمانات الأخرى:
إذا لم يستطع العميل تغطية المبلغ نقدًا، قد يطلب البنك ضمانات إضافية مثل:
رهن عقارات أو أصول ثابتة.
كفالة بنكية من طرف ثالث.
كمبيالات أو شيكات موقعة على بياض كضمان للوفاء بالالتزام.
ثانيا: ضمان رهن البضاعة (خلال عملية الشحن)
هذا هو الضمان الجوهري الذي يحمي البنك طوال فترة النقل:
رهن المستندات (Lien on Documents):
بموجب شروط الاعتماد، لا تُسلَّم مستندات ملكية البضاعة (أهمها بوليصة الشحن) إلى المشتري مباشرة.
بل تُرسل إلى البنك المُصدِر.
ملكية البضاعة:
البنك يصبح هو المالك القانوني للبضاعة أثناء وجودها في البحر أو في ميناء الوصول. لا يستطيع المشتري استلام البضاعة من الجمارك إلا بعد أن يوقع على "تعهد" مع البنك يسمى أحياناً "إذن الإفراج عن البضاعة" أو "تعهد بفك الرهن".
التسليم مقابل القبول/الدفع:
لا يسلم البنك مستندات الشحن الأصلية للمشتري إلا بعد أن يدفع المشتري القيمة الكاملة للاعتماد (في حال كان الاعتماد تحت الطلب) أو يوقع على كمبيالات (في حال كان الاعتماد مؤجلاً).
هذا يضمن أن البضاعة لا تدخل حيازة المشتري إلا بعد سداد ثمنها للبنك.
ثالثا: التعهد القانوني (التزام العميل)
التزام نهائي:
عند فتح الاعتماد، يوقع العميل على نموذج طلب فتح الاعتماد، والذي يُعتبر عقداً قانونياً يلزمه بسداد قيمة الاعتماد بغض النظر عن أي نزاع قد ينشأ بينه وبين المورّد الأجنبي.
هذا يحمي البنك من أن يتذرع العميل بـ "عيوب البضاعة" للامتناع عن الدفع للبنك.
بهذه الآلية المتعددة الضمانات (النقدية، الأصول، ورهن البضاعة نفسها)، يضمن البنك تقريباً عدم تعرضه لأي خسارة مالية في عملية التمويل.
خلاصة:
خسارة البنك (الخطر التجاري) هي عدم قدرة العميل على السداد.
أما الفساد في هذه الحالة فهو استغلال التباين في سعر الصرف الرسمي والموازي (نظام الدعم) لتحويل الدعم العام إلى ثراء خاص، حتى لو سدد العميل للبنك قيمة الاعتماد بالدينار الليبي.
الخسارة هنا تقع على عاتق الخزانة العامة للدولة والمواطن الليبي ككل.
هذه الفجوة بين سعر الصرف الرسمي والموازي، واستغلالها عبر الاعتمادات المستندية، تسبب إرهاقاً شديداً ومستمراً للمصرف المركزي الليبي (CBL).
السبب الأساسي لهذا الإرهاق هو أن المصرف المركزي يجد نفسه في صراع مستمر لتغطية هذا الطلب المُضخَّم وغير الحقيقي على العملة الصعبة.



تعليقات