فساد سوق السلع الاستهلاكية المستوردة الليبي
المقدمة:
الطلب على الإنفاق الاستهلاكي هو مفهوم اقتصادي أساسي، ويُقصد به إجمالي إنفاق الأفراد والأسر على السلع والخدمات النهائية خلال فترة زمنية معينة
يُعد هذا الطلب من أهم المحركات الرئيسية للنمو الاقتصادي في أي بلد، وغالباً ما يمثل النسبة الأكبر من الناتج المحلي الإجمالي .
يُعد "الطلب على الإنفاق الاستهلاكي" في ليبيا ضخمًا، وتلعب "الاعتمادات المستندية" دورًا محورياً في تلبية جزء كبير من هذا الطلب.
لماذا الطلب الاستهلاكي ضخم في ليبيا؟
الاعتماد على الاستيراد:
الاقتصاد الليبي هو اقتصاد "ريعي غير مُنتج" محلياً للسلع الأساسية والاستهلاكية. يتم استيراد كل شيء تقريباً، من المواد الغذائية إلى السيارات والمعدات. هذا يعني أن كل إنفاق محلي يتحول مباشرة إلى طلب على العملة الأجنبية للاستيراد.
سعر الصرف المدعوم (الرسمي):
لسنوات طويلة، كان سعر الصرف الرسمي الذي يوفره المصرف المركزي أرخص بكثير من سعر السوق الموازي (السوداء). هذا يخلق حافزًا ضخمًا للأفراد والتجار لطلب العملة الأجنبية عبر القنوات الرسمية للاستفادة من فرق السعر، مما يضخم الطلب الحقيقي.
العلاقة بين الطلب الاستهلاكي والاعتمادات المستندية
تُعد الاعتمادات المستندية هي الأداة الرئيسية للمصرف المركزي لضخ العملة الصعبة لتغطية الطلب الاستهلاكي الضخم:
بدلاً من بيع العملة مباشرة في السوق، يطلب المصرف المركزي من التجار والمستوردين استخدام الاعتمادات المستندية (LC) لضمان أن العملة ستذهب لشراء سلع محددة (نظريًا).
يحتاج التاجر الذي يرغب في استيراد مواد غذائية أو أجهزة إلكترونية إلى فتح اعتماد مستندي في مصرف تجاري ليضمن للمُصدِّر الأجنبي الحصول على الدفع. يتم تغطية هذا الاعتماد في النهاية من احتياطيات المصرف المركزي الليبي بالدولار الرسمي.
الهدف هو إضفاء نوع من الشفافية على استخدام النقد الأجنبي، لكن حجم الطلبات الهائل على الاعتمادات يعكس حجم الاستهلاك والاعتماد الكلي على العملة الأجنبية.
هذا الاعتماد المفرط على ضخ العملة عبر الاعتمادات المستندية يولد مشاكل اقتصادية عميقة:
استنزاف احتياطي النقد الأجنبي:
تلبية الطلب الهائل يعني ضخ مبالغ ضخمة من احتياطي النقد الأجنبي للدولة (المتأتي أساساً من مبيعات النفط) لدعم الاستهلاك بدلاً من استخدامه في التنمية أو البنية التحتية.
التضخم وغسيل الأموال:
يُتهم جزء من هذه الاعتمادات بأنها وهمية أو مُبالغ فيها لغرض الحصول على الدولار الرخيص وبيعه في السوق الموازي، مما يزيد من معدلات التضخم ويُفسد بيئة الأعمال.
تبعية الاقتصاد:
تُبقي هذه الآلية الاقتصاد الليبي تابعًا بشكل كامل لأسعار النفط العالمية، وتمنع تطور قطاع إنتاجي محلي يستطيع تلبية جزء من هذا الإنفاق الاستهلاكي.
ظاهرة "تضخيم الفواتير" أو "غسيل الأموال بالتجارة"
تتلخص في أن جزءًا كبيراً من الطلب على النقد الأجنبي لا يذهب لشراء سلع يحتاجها المواطن الليبي بالفعل، بل يُستخدم لـ:
تضخيم الفواتير:
الحصول على أكبر قدر ممكن من العملة الأجنبية المدعومة (الرخيصة) من المصرف المركزي.
يقوم التاجر بالاتفاق مع المورد الأجنبي على تسجيل سعر البضاعة في الفاتورة الرسمية (التي تُقدم للبنك لفتح الاعتماد) بـقيمة أعلى بكثير من سعرها الحقيقي في السوق العالمي.
يحصل التاجر على الدولار بسعر المصرف المركزي، لكنه يدفع للمورد الأجنبي الفرق بين السعر المُبالغ فيه والسعر الحقيقي، ويُحول الفرق إلى أرباح بالعملة الصعبة دون توريد سلع مقابلة.
استيراد سلع وهمية أو ذات قيمة متدنية:
قد يتم فتح اعتمادات مستندية لاستيراد سلع "وهمية" (لا وجود لها فعلاً) أو سلع رديئة الجودة بقيمة عالية جداً، فقط لإكمال الإجراءات المصرفية والحصول على الدولار المدعوم، ثم بيع الدولار في السوق الموازية بسعر أعلى بكثير.
إعادة التصدير:
يتم استيراد كميات ضخمة من سلع معينة تفوق حاجة السوق الليبي (مثل مواد البناء أو بعض الأغذية).
بعد وصول هذه السلع، يتم تهريبها أو "إعادة تصديرها" إلى دول مجاورة (مثل دول الساحل الأفريقي)، حيث يمكن بيعها بالعملة الصعبة العالمية والحصول على أرباح هائلة من فرق سعر العملة الذي تم الحصول عليه في ليبيا.
تلاعب التجار بالسوق
التاجر في ليبيا يواجه سعرين للدولار، وهذا يخلق لديه "حسابات تكلفة" معقدة وغير نزيهة:
التكلفة الحقيقية لاستبدال العملة:
التاجر الذي حصل على دولار بسعر رسمي (مُدعم من المصرف المركزي) لشراء سلع استهلاكية، يعلم أن هذا الدولار يمثل "رأس مال" يمكنه بيعه في السوق الموازية بسعر أعلى بكثير.
تكلفة الفرصة البديلة:
التاجر لا ينظر إلى الدولار على أنه كلفه سعر الصرف الرسمي (الأقل). بل ينظر إليه على أنه فَرصة ضائعة لبيعه في السوق الموازية (الأعلى).
مثال: إذا كانت كلفه الدولار 4.8 دينار رسميًا، بينما يمكن بيعه بـ 6.5 دينار موازيًا، فإن تكلفة الدولار الحقيقية في ذهن التاجر هي 6.5 دينار، لأن هذا هو المبلغ الذي يجب عليه دفعه لإعادة شراء الدولار من السوق الموازي لتغطية قيمة البضاعة القادمة، أو هذا هو المبلغ الذي خسره بعدم بيعه في السوق الموازية.
السعر الاستهلاكي يتحدد بسعر الموازي
لكي يستطيع التاجر "إعادة تدوير" رأس ماله وضمان قدرته على تمويل عملية الاستيراد التالية (شراء الدولار من المصرف المركزي مجددًا)، يجب أن تكون إيراداته من البيع كافية لشراء الدولار بالسعر "الموازي" في حال تعثرت عملية الحصول على الدولار المدعوم مرة أخرى.
وبالتالي، يتم تسعير السلع محليًا وفقًا لأعلى تكلفة ممكنة للدولار (السوق الموازي).
العوامل المساعدة على استمرار هذه الظاهرة
سيطرة التجار:
في كثير من القطاعات، توجد قلة احتكارية تتحكم في استيراد سلع معينة. هذه القلة يمكنها تثبيت الأسعار عند مستوى عالٍ (مستمد من سعر الدولار الموازي)، وعدم ترك المجال للمنافسين لخفض السعر بالاعتماد على الدولار الرسمي.
ضعف الرقابة:
غياب الرقابة الفعالة من أجهزة حماية المستهلك والاقتصاد على فواتير التكلفة وهامش الربح يمنع محاسبة التجار الذين يسعّرون بسعر صرف غير مدفوع فعلياً.
دور الثقة وغياب الاستقرار:
عدم استقرار سعر الصرف الموازي يغذي التوقعات. التاجر الذي يتوقع أن سعر الدولار الموازي سيرتفع أكثر في المستقبل يفضل التسعير الحالي بأسعار مرتفعة لتجنب خسارة محتملة في قيمة الدينار الليبي.
سبب تفاوت الأسعار بين المتاجر (الفروقات الجوهرية)
التفاوت الكبير في أسعار نفس السلعة بين متجر وآخر يعود أساساً إلى مصدر العملة التي استُخدمت للاستيراد:
المصدر الرخيص:
المتاجر التي حصلت على بضاعتها باستخدام "الاعتمادات المستندية" بسعر المصرف المركزي لديها مجال لخفض سعر البيع أكثر.
المصدر الغالي:
المتاجر التي اضطرت لتمويل بضاعتها بالكامل من "السوق الموازية" تضطر لرفع أسعارها لتغطية هذه التكلفة المرتفعة.
وبالتالي، الفروقات في الأسعار تعكس الفوارق في كلفة الحصول على الدولار، وليس بالضرورة اختلاف هامش الربح الذي يريده التاجر. هذا الفارق في الوصول إلى العملة المدعومة هو ما يخلق المنافسة غير العادلة وفوضى التسعير التي نراها في السوق.
الفواتير المُقدَّمة ليست الأساس للتسعير
المشكلة لا تكمن في وجود حد للربح، بل في أن البيانات المُستخدمة لحساب هذا الربح في ليبيا غير حقيقية أو مشكوك في صحتها:
فواتير الاعتمادات المُضخَّمة:
كما ذكرنا سابقاً، التاجر الذي يحصل على العملة من المصرف المركزي يقدم فواتير بقيمة أعلى من السعر الحقيقي للبضاعة (تضخيم).
حتى لو قررت الجهات الرقابية تطبيق نسبة ربح 10% مثلاً على هذه الفاتورة، فإن الـ 10% تُحسب على سعر مُبالغ فيه، بينما الربح الحقيقي للتاجر يأتي من فارق العملة.
التاجر يظهر للجهات الرسمية أنه يحقق ربحاً بسيطاً، بينما يحقق أرباحاً ضخمة في الواقع.
غياب معيار موحد للتكلفة:
بما أن التاجر يمكنه شراء الدولار بثلاثة أسعار مختلفة (رسمي، موازي، سعر بطاقات الأغراض الشخصية)، فإنه يصر على التسعير وفقاً لأعلى سعر صرف ممكن لضمان أعلى ربح، متجاهلاً سعر الصرف المدعوم الذي حصل عليه.
غياب آليات الرقابة الفعالة على الأسعار
الجهات الرقابية المسؤولة عن ضبط الأسعار (مثل الأجهزة التابعة لوزارة الاقتصاد أو حماية المستهلك) تواجه صعوبات هائلة:
ضعف سلطة الرقابة:
في ظل الانقسامات الحكومية وعدم استقرار الأوضاع، تضعف سلطة هذه الأجهزة وقدرتها على فرض العقوبات الصارمة والمُنفّذة على المخالفين.
التعقيد اللوجستي:
يصعب جداً على مفتشي الرقابة تتبع كل شحنة وتحديد تكلفتها الحقيقية، خاصة وأن معظم البضائع تدخل عبر موانئ ومنافذ متعددة.
الإقرار الجمركي:
الفواتير التي تُقدَّم للجمارك لا تُستخدم بالضرورة كمرجع وحيد لتحديد سعر البيع للمستهلك.
دور الجمارك الأساسي هو تحديد الرسوم، وليس تحديد سقف الربح النهائي للتاجر.
الخلاصة:
السبب الرئيسي لهذه المعضلة هو أن "الدولار المدعوم" من المصرف المركزي يتحول من أداة لخفض الأسعار إلى "فرصة لتحقيق أرباح غير مشروعة" عن طريق فرق سعر الصرف.
هذا يضع يدك على "ثغرة قانونية ورقابية" عميقة جداً في البيئة الاقتصادية غير المستقرة، وهو ما يفسر الفوضى في تسعير السلع.




تعليقات