الهيئة العليا للرئاسات
اغتصاب السلطة من فاقدي الشرعية
أعلنت الرئاسات الثلاث الليبية خلال اجتماع انعقد في العاصمة طرابلس، عن تأسيس “الهيئة العليا للرئاسات” كإطار تنسيقي يشكل السلطة السيادية العليا، ويضم المجلس الرئاسي، ورئيس حكومة الوحدة الوطنية، ورئيس المجلس الأعلى للدولة.
وأكدت الرئاسات الثلاث أن تأسيس الهيئة يأتي استجابة لمتطلبات المرحلة الراهنة.
الاتفاق على تأسيس "الهيئة العليا للرئاسات" في هذا التوقيت تحديداً، يُعتقد أنه جاء نتيجة لتضافر عوامل ضغط داخلية وخارجية متزايدة، بالإضافة إلى الوصول لنقطة اللاعودة في أزمة التمويل والشرعية.
باختصار، هذه محاولة لتشكيل كيانات قيادية جديدة في بيئة سياسية غير مستقرة وغير شرعية.
سوف نحلل لماذا يعتبر هذا الاعلان باطل و غير شرعي.
الشرعية المنقوصة للأعضاء المؤسسين
مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، غالبية أعضائهما يتولون مناصبهم منذ فترة طويلة تتجاوز ولايتهم الأصلية أو المعترف بها شعبيًا ودستوريًا.
المجلس الرئاسي وحكومة الوحدة الوطنية، جاءا بموجب اتفاق سياسي (ملتقى الحوار السياسي) لم يتمخض عنه انتخابات، وشرعيتهما مرتبطة بـالتنفيذ المؤقت وليس التفويض الدائم.
التحليل: عندما تتفق هيئات فاقدة للشرعية الشعبية المباشرة على إنشاء "الهيئة العليا للرئاسات "، فإنها لا تكتسب شرعية جديدة، بل تحاول تكريس سيطرتها على القرار الوطني، وتجنب الذهاب إلى انتخابات تنهي ولايتها.
خلق كيان جديد لتجاوز القانون
صناعة جسم سياسي من العدم، يعني هذا أن الهيئة الجديدة هي محاولة لـلقفز على الدستور أو الإطار القانوني النافذ.
لا يوجد في اتفاق الصخيرات أو المرجعيات الدستورية ما ينص على إنشاء "الهيئة العليا للرئاسات".
التحليل: إنشاء هيكل فوقي غير خاضع للمساءلة القانونية أو الرقابة المباشرة، مما يمنح أعضائه سلطة أعلى من سلطة المؤسسات التي يترأسونها.
استنزاف الوقت والجهد في "الترتيبات المؤقتة"
هذه الهيئة قد لا تكون إلا ترتيباً سياسياً مؤقتاً جديداً يعمل على:
تأجيل الاستحقاق: تأجيل القضية الأساسية وهي الانتخابات والوصول إلى جسم سياسي موحد وشرعي بالكامل.
إطالة أمد الأزمة: بدلاً من حل أزمة الشرعية، يتم تشكيل كيان يضم أصحاب المشكلة أنفسهم لإدارتها، مما يؤدي إلى إطالة أمد الأزمة السياسية.
التحليل: الهيئة العليا للرئاسات هي محاولة سياسية براغماتية للحفاظ على شكل من أشكال النهب الممنهج للدولة على جميع المستويات، وهي خطوة إعادة إنتاج للأزمة تحت مسمى جديد.
الضغط الاقتصادي والمالي المتزايد
أزمة توحيد الإنفاق: رغم محاولات توحيد المؤسسات (مثل المصرف المركزي)، لا يزال هناك انقسام عميق حول إدارة الموارد النفطية الهائلة وكيفية صرفها.
ضغط المساءلة (إقفال الحسابات): الإعلان عن قفل الحسابات الختامية لـ 2011–2015 قبل أيام قليلة يفرض ضرورة سياسية لاتخاذ قرار حول كيفية إدارة المرحلة التالية ومراجعة الإنفاق.
لا يمكن إغلاق الدفاتر القديمة دون توحيد سياسة الإنفاق المستقبلية.
الوصول إلى طريق مسدود سياسيًا
فشل خارطة الطريق: فشلت جهود إجراء الانتخابات المتفق عليها أو الاتفاق على قاعدة دستورية في المدى المنظور. هذا أدى إلى تآكل شرعية الأجسام القائمة بشكل كبير.
تجنب إنهاء ولايتها: عبر خلق كيان جديد يعطيها شرعية "تنسيقية" للبقاء.
إدارة الخلافات: بدلاً من محاولة إزاحة بعضهم البعض، قرروا تشكيل إطار للتعايش السلمي والعمل المشترك على النهب المشرع من قبلهم.
التحدي والفرصة
رغم منطقية التحليلات السابقة، هناك من يرى في هذه الخطوة "شرعية الضرورة" في سياق دولة تواجه خطر الانهيار أو الانقسام الدائم:
التبريرات:
ما دامت هذه الأجسام السياسية قائمة وتتقاسم السيطرة على الأرض والموارد، فإن التنسيق بينها هو الحل العملي الوحيد لتفادي الصدام، حتى لو كان هذا التنسيق غير شرعي من الناحية الدستورية الصارمة.
الخطوة ضرورية لتوحيد قرارات المصرف المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط والأجهزة المالية (خاصة في ظل إغلاق الحسابات الختامية)، وهو ما يتطلب تغطية سياسية عليا يتفق عليها الجميع.
باختصار:
التحدي الأكبر يكمن في التنفيذ:
هل ستتمكن هذه الرئاسات من تحويل هذا الإطار التنسيقي النظري إلى قرارات فعلية وملزمة تتجاوز المصالح الفئوية والشخصية لضمان انسجام حقيقي ومستدام؟


