عقلية ليبية

الرغبة في الزواج: قرار مبني على الاختيار أم الإجبار؟

 

مع التقدم في العمر ونهاية دراستي الجامعية، أصبح لزاما عليا التفكير في «الزواج».
لم يعد الأمر في هذه المرحلة ترفا أو شيء زائد يمكن الاستغناء عليه، مثلما كنت أنظر للزواج في عمر أصغر، كان ذلك قبل دخولي الى «الجامعة».
الآن أصبحت أرى فيه أمرا لا بدى منه، و بدونه تصبح الحياة الاجتماعية صعبة ومعقدة، تتطلب خوض العديد من حروب إثبات الذات.

و أعتقد أن الصحيح هو شعور الشخص بالرغبة في «الزواج» نابعة من مشاعره وعقله، ليس كما ينظر له غالبية الناس في مجتمعنا (الليبي)، حيث ينظر للزواج على أنه مصير حتمي وقدر لبدى منه وليس باختيارك.

«النضج» مهم جدا عند اتخاذك لقرار «الزواج»، ففهمك للزواج في «عمر العشرين» ليس هو نفس الفهم في «عمر الثلاثين» وليس هو في «عمر الأربعين»، وهكذا تتغير مفاهيمنا كلما كبيرنا.

لماذا علينا أن نتزوج إذا؟

ببساطة لأن المجتمع لن يعترف بنا الا اذا كنى متزوجين سواء  كنى رجالاً أو نساء، لان «الزواج» عند مجتمعاتنا التقليدية هو عملية تجديد النسل عبر اطار شرعي مضبوط بقيود دينية وقانونية تحفظ للطرفين حقوقهم.

خارج هذا الإطار من العلاقات الاجتماعية فأنت مرفوض تماما، بل سوف تعاقب لاختيارك طريق مختلف عن الطريق الذي حدده المجتمع لك مسبقا قبل حتى أن تلد.
لذلك نحن مجبورون لاختيار الزواج وسيلة للحصول على قبول و اعتراف المجتمع بنا؛ لكن هل الزواج يخدم مصالحنا الخاصة الضيقة المتمثلة في الرغبة في الاستمتاع بالحياة والحرية دون قيود؟...
الجواب لا.
«الزواج» ليس من مصلحتك ولا مصلحتي الخاصة الضيقة التي تشمل حريتك، واستمتاعك بالحياة وقراراتك الخاصة، أو حتى البقاء بمفردك في مكان هادئ انت تختره ببساطة.

لو عرفنا «الزواج» من الناحية النفسية للأفراد فهو قيد وكبح للحرية بل يصل الى سجن صعب التحرر منه اذا دخلته، كما يصفه الكثيرون «بالقفص الذهبي».

نعم هو سجن (قفص)  سوف يحرمك حريتك ويجعلك مرتبط بشخص لا تعرفه جيدا بل يكاد تعرف عنه أشياء بسيطة لا تذكر.
بل تجبر على تحمل شريك لا تعرف عنه شيئا الا القليل، وتتحمل مسؤوليته أمام المجتمع والقانون، وتحاسب اذا فرط في مسؤوليتك ولم تنصاع للانضباط.

بالمختصر 

 نحن نتزوج ليعترف بنا مجتمعنا ونكسب الاحترام، لكن «الزواج» بحد ذاته ليس من مصلحتنا، فهو يقد حريتنا ويكبح رغبتنا في الاستمتاع بحياة دون قيود، ويرطبنا في علاقة مع شريك في الغالب لم نختره من وحي رغبتنا، بل لأنه مقبول اجتماعيا من الناحية المادية عند الرجال أو من الناحية الأخلاقية عند النساء.

ماذا سيحدث اذا قررنا عدم الزواج؟

اذا قررت عدم «الزواج» فسوف تصبح نكرة، المجتمع لن يحترمك، ولن يقبل وجودك ضمن اطار «العلاقات الأسرية» الضيقة.
نعم سوف يضغطون عليك ويجرحوك بالكلام ويحولون الزج بك في علاقة تصل نهايتها الى «الزواج»، لن يستسلموا حتى يجبروك على الخضوع لهم.
و اذا قاومت ولم ترضخ فسوف تنتهي تماما في هاوية المنسيين، ويتم تجاهلك والتقليل من شائنك لدرجة الاحتقار التام.

هل تعلم !! أن اكثر من يرغبون في «الزواج» في مجتمعنا اليوم، هم أشخاص غير مؤهلين لتحمل عبء حياة من  هذا النوع؛ أغلبهم مدمني مخدرات أو كحول أو لهم سوابق أخلاقية منحرفة، فهؤلاء سوف تجدهم متزوجين أو يريدون «الزواج» بشدة.

بينما من يدرك حجم المسؤولية والسجن الذي سوف يذهب اليه بقدميه هم أكثر حرصا على عدم «الزواج».

طبعا أنا هنا لا أنكر وجود أشخاص أسوياء محترمين يرغبون بالزواج، بسبب الاعتراف و الاحترام الذي يقدمه لهم المجتمع مقابل سجن «الزواج».

أن تعيش لوحدك (رجل - مرأة) ليس عيب، و أن تعيش مع شريك ضمن إطار «الزواج» أيضا ليس عيب، لكن هل نحن أحرار في اختيار العيش لوحدنا؟!
طبعا لا نحن ليسنا أحرار، وقرار العيش لوحدنا خصوصا نحن النساء غير مقبول داخل مجتمعنا.
أما الرجال فهم أكثر راحة في هذا القرار، لكن هذا لا يمنع المجتمع من أن يتدخل لضغط عليهم أحيانا، من أجل إجبارهم على «الزواج».

بالمختصر

 إذا قررت عدم «الزواج» نهائيا، فأنت بذلك تحكمُ على نفسك بالوحدة الأبدية والعزلة الانتقامية التي سوف تراها جلياً من المجتمع المحيط بك دائما.
أما الضغط فلن يتوقف وشعورك بالعزلة لن ينتهي الا إذا قبلت بالخضوع للعلاقات الاجتماعية الأسرية الضيقة.
طبعا الضغط لن يتوقف حتى إذا تزوجت، لكنه سوف يخفف عنك كثيرا، وينتهي فقط عند إنجابك لعدد كبير من الأطفال خصوصا لو كانوا ذكور.

ما هي أكبر مشاكل الزواج اليوم في ليبيا؟

من وجهت نظري أكبر مشاكل الزواج هي اختيار الشريك الخطاء في الوقت الخطاء مع ظروف كلها غير ملائمة.

فكرة الزواج بحد ذاتها خطاء في خطاء في مجتمع مغلق لا يقبل لا التعارف ولا الحوار و لا حتى التشاور في العديد من نقاط الخلاف بين الأجيال.

خصوصا مع انتشار ظاهرة تأخر زواج الرجال حتى «سن 40»، ثم بضغط من المجتمع والوحدة القاتلة، يتزوج «رجل الأربعين» فتاة أصغر منه بعقدين (20 سنة) من الزمن.

هنا يُحدث الاختلاف والفجوة في الفكر، فرجل 40 يختلف فكره ونظرته للحياة عن الفتاء التي تصغره «20 سنة»، لكن مجتمعنا لا يهتم بهذه الفروقات، بل أن مجتمعنا يشجع الرجال على الزواج بمن هُنَّ أصغر منهم، مهما كان فارق العمر بينه وبين من سوف يتزوجها.

و الحجة طبعا هي «إنجاب الأطفال»، فالمشكلة عند مجتمعنا لا تتوقف عند زواجك فقط، بل عليك الإكثار من «إنجاب الاطفال»، لذلك يحرضون الرجال بعضهم بعضا على «الزواج» بمن تصغرهم سنا، من أجل أن تستطيع إنجاب أكبر عدد  ممكن من الأطفال، بغية التباهي بهم أمام مجتمعنا البائس.

اذا تأخر الرجال عن الزواج حتى وصولهم «سن 40»، لأسباب كثيرة يطول شرحوها لكن ما يهمني هنا الحديث عن كوارث هذا التأخر على مجتمعنا.
تأخر هؤلاء الرجال الذين يشكلون نسبة ليس بهينة داخل مجتمعنا،  يقابله نسبة ضخمة من النساء المتأخرات عن الزواج.

مما يترتب عن ذلك نسبة عالية من النساء التي لم تتزوج والتي تعاني من ضغط اجتماعي هائل،  في بيئة لا ترحم ولا تحترم الأسباب التي أوصلت بي مجتمعنا الى هذه الكارثة.

فنحن هنا نتحدث عن «نسبة 44%» من فئات أعمارهم تبدأ من(30 إلي 51 سنة) هذه الفئات تعبر عن أزمة تأخر «الزواج» في ليبيا.
تشمل تلك النسبة (44%) جيل كامل من النساء الليبيات، تم وضعهنَّ تحت خانت «العوانس» أو الغير المتزوجات في ليبيا، ابتدأً من سنة (1975م الى 2000م).  


حلول ممكن تطبيقها

أولا: على مجتمعنا أن يتقبل فكرة التعارف المضبوط بين الراغبين في الزواج تحت إطار اجتماعي فيه نوع من الراحة للطرفين.

يعني على الأسرة الليبية مد يد العون للشباب للتعارف تحت غطاء وقبول من قبل ولاة الأمور، بمعنى ليس في الخفاء أو تحت الأشجار في الغابة والمقاهي في أماكن مغلقة، بل أمام الأسرتين وفي جو مشجع للتعارف الذي قد ينتهي بخلاف على جميع الأطراف إحترامه في النهاية.

ثانيا: فتح المجال لمؤسسات مدنية أهلية تساعد الشباب في الإقدام على فكرة الزواج عبر حلحلت المشاكل التي قد تواجه الشاب أو الشابة مثل مشاكل اقتصادية أو اجتماعية أو حتى صحية.

مؤسسات مدنية أخرى هدفها تقديم استشارات وتوعية نفسية ودعم عاطفي للشباب من أجل تصحيح الأخطاء إن وجدت و الحد من أخطاء قد تحدث في المستقبل.


ثالثا: إدخال مفهوم تكوين الأسرة و تربية الأبناء داخل مناهج دينية أو أدبية تصمم لتشجيع الشباب على الإقدام على الزواج وتبيان أهمية ذلك لهم كما توضح لهم السبل الصحيحة لإنجاز أسرة ناجحة تنجب أطفال صالحين.

رابعا: دور وسائل الإعلام عبر تجنيد كل طاقاتها في التوعية حولة الزواج الناجح وكيف يمكنك خوض تجربة زواج دون أن يشعر الشباب بالضيق أو بالحرج من المجتمع، لتكون مشجع لهم لخوض حوارات شفافة وصريحة بين بعضهم البعض دون التجريح أو الإساءة لأحد.


بالمختصر

على المجتمع الليبي أن يتحمل مسؤلية أزمة هو من ساهم في تكونها عبر سنوات طويلة، بسبب أفكار وثقافة غير سليمة، في أصلها تشكل مفهوم الحشمة والعار، وفي المقابل تحارب مفهوم التعارف الصادق أمام نظر أولياء الأمور.
كما على الأسرة إيجاد حل وسط في المشاكل الاقتصادية التي تواجه معظم المقبلين على الزواج، وألا تفرض رسوم إضافية تدمر فكرة الزواج عبر تعقيدات مادية يمكن تفاديها بل التخلي عنها، و سوف يتم الزواج دون أن يقلل ذلك منه في شيء.
مشاركة المقال: Facebook X