عقلية ليبية

تهريب الوقود والسلع المدعومة: يُفقر ليبيا ويُغني تونس

 


تتحرك يوميا مئات الشاحنات والصهاريج المحملة بالوقود والدقيق والزيت والسكر المدعوم من خزينة الدولة الليبية باتجاه معبر رأس اجدير الحدودي الذي يربط بين دولتين (تونس وليبيا).

على طول الشريط الحدودي الممتد من رأس اجدير الى وازن، تعبر تلك الشاحنات لتنعش أسواق مدن الجنوب التونسي من بن قردان الى تطاوين.

تهريب الوقود لوحده يستنزف أكثر من 30% من الكميات المخصصة للاستهلاك المحلي الليبي.

هذا النزيف المنظم عبر شبكات التهريب يصل بالدولة الليبية الى:

  1. الفقر عبر إفراغ خزينتها من أموال الدعم.
  2. يضرب قدرة المواطن الليبي الشرائية.
  3. يخلق أزمات وطوابير خانقة. 

⁂ في الجانب الأخر نجحت مافيات التهريب في خلق اقتصاد موازي عبر المليارات التي تشكلت لديهم جراء عمليات التهريب المنظم من ليبيا الى تونس، جعلت من تلك المليارات شريان حياة لشبكات من مضاربين و مهربين.

انتعشت من خلالها مدنا تونسية حدودية بالكامل، وخلقت طبقة أثرياء جدد يعتشون على الفارق السعري الذي يدفعه الليبي من جيبه ومن استقراره.


فيصبح المواطن الليبي هو الخاسر الأكبر ، اذ يدفع ثمن السلعة مرتين:

  • مرة من خزينة دولته التي مولت الدعم.
  • ومرة ثانية من معاناته مع شح المعروض والأزمات التي يخلفها هذا النزيف.

أهمية معبر "رأس اجدير" الاقتصادية

  • طريق بري يربط بين دولتين (ليبيا وتونس)، يقع في أقصى الشمال الغربي لليبيا، في منطقة "بوكماش".
  • يمثل عقدة ربط اقتصادية غاية في الأهمية، تتمثل في تبادل السلع الاستهلاكية (المواد الغذائية، الأدوية، والمنسوجات).
  • تمر عبره أغلب الواردات الحيوية التي تغذي السلسلة اللوجستية للمدن الليبية.
  • أي خلل في تدفق السلع الواردة أو الصادرة قد يسبب زلزال كبير، سياسي واقتصادي في كلا البلدين.




⁂ الا أن العلاقة بين نشاط شبكات التهريب بين البلدين تهدد استقرار السوق المحلي الليبي وتضر بالقدرة الشرائية لكل مواطن ومواطنة ليبية في الداخل.

من منطقة "بوكماش" الحدودية التي تبعد عن رأس اجدير سوى دقائق معدودة بالسيارة، تنطلق  يوميا أرتال من الشاحنات والصهاريج المحملة بالوقد المدعوم لتفرغ حمولتها في أسواق بن قردان التونسية.

"بن قردان" مدينة تونسية كبيرة تبعد عن الحدود الليبية 32كم، تلعب دور محطة الاستقبال، فيها أكبر سوق للسلع الليبية المهربة.
 
"الوقود اللي طلع من "بوكماش" يتباع هنا في براميل على قارعة الطريق، اقتصاد المدينة كله قائم عليه"

عندها يتحول المعبر إلى قنوات للتهريب عبر مسارين هما:

  • استنزاف الموارد المدعومة

عند إقدام المهربين من الجانبين (التونسي والليبي) على تهريب السلع والوقود المدعومة من قبل السلطات الليبية، سوف يخلق ذلك نقصاً حادا في المعروض الذي كان يجب أن يغطي السوق المحلية الليبية؛ القائم أصلا على الاستيراد، ومع ثبات الطلب المحلي، يؤدي نقص المعروض إلى "ضغط تضخمي" يرفع الأسعار بشكل فوري، ويسبب أزمات داخلية مثل نقص الوقود (النافطة والبنزين)، ونقص بعض الأدوية المدعومة، وبعض السلع الأساسية، وهذا يشكل استنزاف قاتل للمقدرات الدولة الليبية

  • ظهور طبقة جديدة من المضاربين الليبيين

التهريب لا يرفع السعر فحسب، بل يخلق حالة من الهلع التجاري. 
التجار الذين يواجهون مخاطر عدم توفر السلع، بسبب عمليات التهريب، يضطرون إلى شراء السلع التي تواجه نقص حاد وتخزينها، ليتحولوا من بائعين الى مضاربين.


كيف يبتلع الجوار التونسي مقدرات الدولة الليبية؟

إن الحديث عن أمن معبر "رأس اجدير" لا يكتمل دون تسليط الضوء على المسؤولية الجسيمة للطرف التونسي، الذي تحول في كثير من الأحيان من "شريك تجاري" إلى "شريك مافيات التهريب". 

لا يمكن تفسير تدفق أطنان الوقود والسلع الليبية المهربة إلى الأسواق التونسية دون إقرار بوجود "منظومة فساد عابرة للحدود". 

هذا الفساد لا يقتصر على صغار الموظفين، بل يمتد ليشمل شبكات واسعة تستفيد من فروقات الأسعار لتضخ منتجات مدعومة ليبية في الداخل التونسي، مما يخلق "اقتصاداً موازياً" يعيش على دماء الاقتصاد الليبي المستنزف.


لقد حان الوقت لتسمية الأشياء بمسمياتها؛ إن التراخي التونسي في ضبط حدوده مع ليبيا هو شراكة في الجريمة الاقتصادية. 

لا يمكن تحقيق استقرار في رأس اجدير ما لم تتحمل السلطات التونسية مسؤوليتها القانونية والأخلاقية في وقف هذا النزيف.

أزمة معبر "رأس اجدير" وانعكاسها على جيب المواطن

تعد آفة التهريب التي تتغلغل في أعماق السوق الاستهلاكي الليبي أزمة متجذرة منذ سنوات طويلة، مع ازدياد الانفلات الأمني وسيطرة مجموعات مسلحة لها اتصال مباشر بقيادات في السلطة واتصال أخر بكبار التجار المستوردين، تحت غطاء حماية الحدود، أصبح التهريب عملا منظما يديره تشكيلات عصابية ذات نفوذ كبير داخل ليبيا

ولهذه الأزمة عواقب وخيمة تمس جيب المواطن بشكل مباشر، أذكر منها التالي :-

  1. ركود السوق وفوضى الأسعار

ارتفاع الأسعار الذي يلمسه المواطن في الأسواق هو انعكاس لتضخم هيكلي ناتج عن اختلال سلاسل الإمداد.
عندما يتم تحويل السلع الأساسية (مثل الدقيق، الزيوت، والحبوب) من القنوات التجارية الرسمية إلى مسارات التهريب عبر معبر رأس اجدير، فإن الاقتصاد المحلي يفقد توازنه.
بسبب غلاء الأسعار الفوضوي والغير مستقر، أصبح تركيز الطلب الاستهلاكي المحلي يتجه في جليه الى استهلاك (الطعام و الدواء).
أدى ذلك لركود السلع في باقي المواد الاستهلاكية الأخرى (الأثات-السيارات-العقارات-الملابس).

⁂ علما أن ليبيا من الدول الأكثر استهلاكا في العالم، فهي تستهلك أكثر ما تنتج، وتعتمد على الاستيراد لتغطية أغلب احتياجاتها.


2. نقص المعروض (نتيجة التهريب)

تخضع الأسعار في أي سوق لقانون العرض والطلب؛ فعندما يخرج جزء كبير من السلع المدعومة أو الأساسية عبر المعبر بطرق غير مشروعة، يحدث ما نسميه "صدمة العرض السلبية".

تؤدي هذه الصدمة إلى قفزات سعرية غير مبررة وفقاً للتسلسل الآتي:

  1. خروج السلع عبر التهريب يؤدي إلى انخفاض مفاجئ في المخزون المتاح لدى تجار الجملة، مما يقلص "فائض العرض" الذي يحفظ استقرار الأسعار.
  2. نقص المعروض يبعث إشارة سلبية للسوق، فيبدأ التجار في تقنين البيع وتخزين السلع (الاحتكار)، خوفاً من عدم توفر بدائل، مما يقلل الكميات المتاحة للمستهلك النهائي.
  3. يضطر التاجر إلى رفع السعر ليس فقط لتغطية تكلفته، بل لإضافة "علاوة ندرة" تعوضه عن المخاطرة وعدم اليقين بشأن توقيت وصول الشحنة التالية.

3. أزمة الوقود المتكررة

لا يعد نقص المحروقات في المحطات المحلية مجرد أزمة تنظيمية، بل هو نتيجة حتمية لعمليات استنزاف هيكلية يواجها قطاع الطاقة. 
عندما يتم تهريب الوقود المدعوم – المخصص لاستهلاك المواطن الليبي والنشاط الإنتاجي المحلي، فإننا  نفقد "العصب الحيوي" للمحرك الاقتصادي للدولة.

⁂ يؤدي تسرب كميات ضخمة من المحروقات إلى حدوث "فجوة في المعروض" داخل المدن الليبية. 

تظهر هذه الفجوة على شكل طوابير انتظار طويلة، حيث تصبح المحطة التي تتلقى إمداداً يومياً غير قادرة على تلبية الطلب المتزايد.

يمتد أثر هذا النقص إلى ما هو أبعد من أزمة الطوابير؛ إذ يرفع من التكاليف التشغيلية لقطاع النقل والخدمات اللوجستية، مما يضطر الناقلين للاعتماد على "السوق السوداء" لتوفير الوقود، وهذا يرفع بدوره أسعار نقل السلع والمواد الغذائية إلى المحلات والأسواق.

ليتحمل المواطن في النهاية ضريبة التهريب مرتين: 

  • مرة في طوابير الانتظار. 
  • ومرة في غلاء الأسعار الناتج عن ارتفاع تكلفة النقل.

لماذا يستمر التهريب؟

لا تكمن مأساة معبر "رأس اجدير" في غياب الرقابة فحسب، بل في وجود "فجوة الأسعار" بين البلدين.

 فجوة الأسعار ، ثقب أسود يبتلع مقدرات البلاد، ويحول السلع المدعومة من أداة للأمن الغذائي والاجتماعي إلى تجارة ربحية في يد شبكات التهريب.

التفاوت السعري الحاد خلق "بيئة حاضنة" للفساد، حيث يتحول المهرب من شخص خارج على القانون إلى "رجل اقتصاد ظل" يمتلك من الموارد المالية ما يجعله فوق المساءلة.

إن استمرار هذه الفجوة السعرية يجعل معبر "رأس اجدير" شرياناً مفتوحاً ينزف منه الاقتصاد الليبي يومياً، وسيبقى المواطن هو الضحية الوحيدة في هذه المعادلة التي تصر على حماية السعر لا حماية الموارد.

شبكات التهريب: تشريح "اقتصاد الأشباح"

حددت التقارير (بما فيها تقرير الأمم المتحدة المسرب في أبريل 2026) تورط أطراف فاعلة على طرفي الانقسام السياسي (شرقاً وغرباً). 
يُذكر فيها اسم "عائلة حفتر" (تحديداً صدام حفتر) لدورهم في الشرق، وأطراف مرتبطة بـ "إبراهيم الدبيبة" في الغرب، حيث تُتهم هذه الجهات بالسيطرة على مفاصل اتخاذ القرار في المؤسسة الوطنية للنفط لتوجيه مسارات الوقود.

  • تعمل شبكات التهريب عبر شركات خاصة تُستخدم كغطاء قانوني. 

أبرز مثال أورده تقرير الأمم المتحدة 2026 هو شركة "أركنو" (Arknu)، وهي أول شركة نفطية خاصة في ليبيا، والتي أشار التقرير إلى أنها "تخضع لسيطرة غير مباشرة" من قبل صدام حفتر عبر وكلاء (مثل رفعت العبار، نائب وزير النفط الأسبق). 

  • تُستخدم الحاجة الماسة للكهرباء كـغطاء  لتوريد كميات ضخمة من الوقود. 

تشير تقارير 2025 إلى أن جزءاً كبيراً من هذا الوقود المُورد للشركة العامة للكهرباء يتم تحويله لمسارات التهريب، حيث تفتقر الشركة لنظام شفاف يحدد استهلاكها الفعلي بدقة.

⁂ خسارة الاقتصاد الليبي حوالي 18.78 مليار دولار كإيرادات نفطية (أقل بـ 10 مليارات عما كان يجب أن تكون عليه)، نتيجة التلاعب في الميزانيات والتهريب.

خسائر ليبيا من تهريب الوقود تقدر بـ 6.7 مليار دولار سنوياً. 

أكثر من 50% من الوقود المُستورد يتم تحويله إلى الشبكات غير الشرعية.
رصد تصدير أكثر من 42 مليون برميل نفط بشكل غير قانوني خلال عامين فقط عبر شبكة إجرامية دولية (ليبيون وأتراك) تحت غطاء "شركات خاصة".
مشاركة المقال: Facebook X