منذ الإطاحة بمحافظ مصرف ليبيا المركزي السابق "الصديق الكبير" حتى تغير المشهد المالي الليبي تغيرا كبيرا.
"ناجي عيسى" تولى منصب محافظ مرف ليبيا المركزي بشكل سريع، ومدبر من قبل الحكومة التي تسيطر على طرابلس-العاصمة الليبية.
وعد "ناجي" الليبيين بإحداث تغير جدري في السياسات المالية لمصرف ليبيا المركزي، و وعد برفع قيمة الدينار الليبي الذي انهار نتيجة سياسات مالية عشوائية وغير مدروسة أدت لخفض قيمة الدينار الليبي أمام الدولار الأمريكي.
حيث وصلت قيمة الدينار الليبي في فترات سابقة الى حوالي 10 دينار ليبي مقابل دولار$ واحد أمريكي.
هذا الوضع عقد المشهد الاقتصادي المشوه مسبقا بسبب:
- شح الحلول البديلة للنفط.
- ضعف الانتاج المحلي في شتى المجالات.
رفع التشوه الاقتصادي نسبة التضخم في الأسواق المحلية، نتج عن ذلك، ارتفاع كبير في الأسعر وازدياد معاناة المواطنين محدودي الدخل خصوصا من يتقضون مرتباتهم من الخزانة العامة للدولة الليبي.
تحليل: السياسات المالية الى أين؟
المستقبل ينذر بأن الاقتصاد الليبي يتجه نحوى طريق مختلفة عما إعتاد عليه طيلت نصف قرن الماضي.
ويخبر عن أزمات كبيرة يمر بها الآن وستستمر معه الى عقد أخر.
منذ تولي "ناجي عيسى" المشهد المالي الليبي، أصبحت المصارف أقوى وأكثر تأثيرا في المشهد الاقتصادي العام للدولة الليبية.
حيث يسعى "ناجي" عبر سياساته المالية الى تحويل الاقتصاد الليبي الى اقتصاد مصارف بنكية.
وأعتقد أن هذا التوجه مدعوم من دول خارجية، أبرزها، الولايات المتحدة الأمريكية USA.
تتطلب خطة "ناجي" المدعومة أمريكيا سنوات طويلة ليبدأ مفعولها الحقيقي على الاقتصاد الليبي.
فلا يمكن جعل اقتصاد ريعي غير منتج، الى اقتصاد حر منتج وفعال في فترة قصيرة وعبر المصارف البنكية فقط.
المصارف البنكية خطوة مهمة، حيث بإمكانها عبر تكدس الأرباح بداخلها، اقراض المواطنين والتجار ورجال الأعمال.
بل يمكنها أيضا العمل بنفسها والإشراف على مشاريع وطنية مثل الإسكان، وهذا المشروع قد نجح في الماضي إبان حكم النظام السابق.
لكن المصارف لوحدها لا تكفي.
لتغيير شامل في الاقتصاد الليبي يجب:
- وضع حد للفوضى السياسية.
- إنهاء الانقسام الحاصل في الدولة الليبية.
- إنهاء فكرة الدولة المعيلة للشعب والمتكفلة به من كل ناحية.
فلا زالت الدولة الليبية تعاني من نظام حكم شمولي اشتراكي يتحكم في كل شيء.
حيث بعد الإطاحة برأس النظام السابق "معمر القذافي" سنة 2011 ورثة الدولة الليبية نظامه الاشتراكي الفاسد.
ولم يحدث تغير جدري بهذا الخصوص ولا حتى نقاش صادق حول الخلل الحقيق الذي بناه النظام السابق للحكم، و الذي استمر من خلاله أكثر من 40 عام.
لم يناقش أحد إعادة تأسيس الدول الليبية من الصفر، وبناء مؤسسات دولة ترتكز على خدمة مصالح الوطن فقط لا غير.
الكل كان يتحدث عن الانتخابات فقط، وتناسى الجميع أن مشكلة ليبيا تقع في نظامها الشمولي الاشتراكي الفاسد، الذي لم يقوم أحد بتغيره بعد الإطاحة برأس النظام.
كيف يصنع ناجي عيسى امبراطورية المصارف البنكية؟
في اجتماع إداري لمصرف ليبيا المركزي مع نهاية شهر يوليو الماضي أصدر المصرف عدة قرارات.
حسب إعلان المصرف تم اقرار:
- ضخ مبلغ مليار دولار أمريكي لتمويل الاعتمادات المستندية.
- كما تم إقرار تخصيص مبلغ مليار دولار أمريكي للأغراض الشخصية والحجوزات عبر المنظومة لبيع الدولار نقدا.
يدعي المصرف حسب الإعلان أنه وضع خطة تحت مسمى خطة شهر أغسطس الجاري، والتي حسب ادعائه تستهدف ضخ مبلغ 5 مليارات دينار، للمصارف التجارية لسد عجز السيولة داخل المصارف.
تحليل القرارات السابقة يصل بنا الى فكرة توجه "ناجي عيسى" لجعل البنوك أكثر قوة وسلطة.
هذه القوة يراد بها أن تكون طرف ثاني يضاد السياسة الاقتصادية الشمولية الفاشلة التي تعم الدولة الليبية منذ نصف قرن تقريبا، ومازالت مستمرة.
لفهم الموضوع بشكل دقيق يجب العودة لسنة 2025، حين تم الإعلان عن ما سمية بالاستراتيجية الوطنية للشمول المالي.
التي أطلقها المحافظ الجديد لمصرف ليبيا المركزي "ناجي محمد عيسى" مع مطلع سنة 2025م.
حدد مدة تنقيدها انطلاقا من سنة 2025 الى سنة 2029 أي خمس سنوات كامل لتنفيذ خطة "ناجي" التي تنص على:
- دعم التحول الرقمي للدولة عبر رقمنة المدفوعات الحكومية بالكامل.
- توطين البنية التحتية لمدفوعات النقد الأجنبي تحت إشراف المصرف المركزي.
- إطلاق الهوية الرقمية المصرفية لتسهيل المعاملات الإلكترونية.
- توفير الحوالات المالية الداخلية عبر منصة وطنية دون الحاجة لحساب مصرفي.
- و قال "ناجي" أن هدف الاستراتيجية الوطنية تمهيد الطريق لاقتصاد رقمي عصري، أكثر عدلا وشمولية.
بعد مرور سنة تقريبا على إعلان تلك الاستراتيجية نلاحظ تغير كبير في السياسة المالية للدولة.
- حيث أصبح الدفع الالكتروني يأخذ اتجاه سريع نحو النمو والازدهار في تعاملات البيع والشراء، مع حث مصرف ليبيا المركزي المؤسسات الحكومية على التعامل بوسائل الدفع الالكتروني أثناء تقديمها خدمات للمواطنين.
- كما نجح نسبيا مصرف ليبيا المركزي في انجاز ما سمي بمنظومة "راتبك لحظي" التي تعتبر فكرة جبارة لهدم الطرق التقليدية التي كان ولازال النظام الشمولي الاشتراكي يأكل وينمو بسببها.
و مزال المصرف يحاول بجدية لمحاربة السياسة المالية التقليدية الفاسدة التي تعم ليبيا.
عبر فكرة شهادات إيداع المضاربة المطلقة، انطلق مصرف ليبيا المركزي في حملة تقوية المصارف وجمع الأموال وتكديسها لدى المصارف.
هذه الخدمة التي خص بها مصرف ليبيا المركزي المصارف التجارية عبر إيداع مبالغ مالية لغرض استثمارها من قبل مصرف ليبيا المركزي.
ليعود ربحها على تلك المصارف بعد فترات محدد في العقد والتي قد تصل لثلاثة أشهر أو نصف سنة أو سنة كاملة.
وقد وضع حد أعلى لتلك الشهادات بلغ 10 مليون دينار ليبي لكل شهادة.
أما الحد الأدنى فهو مخصص للأفراد بلغ 10 آلاف دينار ليبي.
السؤال هنا: من أين سوف تأتي المصارف بالمال الذي سوف تستثمره في تلك الشهادات؟
الجواب: من عوائد بيع النقد الأجنبي نقدا، عبر منظومة حجز الدولار للأغراض الشخصية، والذي يصل الى 2000 دولار مرة واحدة في السنة، وهي مرجحة للزيادة لتصل 4000 دولار لمرة واحدة في السنة أيضا.
وبهذه الطريقة تحصل المصارف التجارية على عمولة من لا شيء فقط لكونها وسيط لا أكثر وتلك العمولة قد تصل في السنة الواحدة الى ملايين من الدنانير.
حيث لو فرضنا أن مصرف مثل مصرف الجمهورية قد يتحصل على عمولة تصل الى 32.5 دينار ليبي من كل عملية بيع نقد أجنبي للزبون الواحد، ولو فرضنا خلال سنة واحدة فقط أنجز المصرف المذكور 100,000 معاملة بيع نقد أجتبي فقد تصل عمولته السنوية الى 3,250,000 ثلاثة مليون ومائتين وخمسون ألف دينار ليبي.
و هذا مبلغ كبير مقابل لا شيء تقريبا، فأين سوف تذهب تلك الأموال؟
عبر طرح خدمة شهادات إيداع المضاربة المطلقة سوف يتمكن المصارف من استئمار أموالهم من العمولات داخل مصرف ليبيا المركزي ليتحصلوا على مبالغ إضافية مقابل ذلك الاستثمار.
و بهذه الطريقة يصنع "ناجي عيسى" امبراطورية مصارف داخل ليبيا.
فلا نستغرب من الأرقام الضخمة التي يدعي المصرف تحقيقها عبر المصارف تحت اسم أرباح.
قد أعلن عن أن أرباح المصارف خلال الربع الأول لهذا السنة 2026 وصلت الى 1.5 مليار دينار ليبي، وهذا أعلى بثلاثة أضعاف من العام الماضي 2025، الذي وصل لي أكثر من 500 مليون دينار ليبي.